فخر الدين الرازي

115

تفسير الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر من أول هذه السورة إلى هذا الموضع أنواعا كثيرة من التكاليف والأحكام الشرعية ، قطع ههنا ببيان الأحكام الشرعية ، وذكر أحوال أعداء الدين وأقاصيص المتقدمين ، لأن البقاء في النوع الواحد من العلم مما يكل الطبع ويكدر الخاطر ، فأما الانتقال من نوع من العلوم إلى نوع آخر ، فإنه ينشط الخاطر ويقوى القريحة ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله : * ( ألم تر ) * معناه : ألم ينته علمك إلى هؤلاء ، وقد ذكرنا ما فيه عند قوله : * ( ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم ) * ( البقرة : 258 ) وحاصل الكلام أن العلم اليقيني يشبه الرؤية ، فيجوز جعل الرؤية استعارة عن مثل هذا العلم . المسألة الثانية : الذين أوتوا نصيبا من الكتاب : هم اليهود ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن قوله بعد هذه الآية : * ( من الذين هادوا ) * ( النساء : 46 ، المائدة : 41 ) متعلق بهذه الآية . الثاني : روى ابن عباس ان هذه الآية نزلت في حبرين من أحبار اليهود ، كانا يأتيان رأس المنافقان عبد الله بن أبي ورهطه فيثبطونهم عن الاسلام . الثالث : ان عداوة اليهود كانت أكثر من عداوة النصارى بنص القرآن ، فكانت إحالة هذا المعنى على اليهود أولى . المسألة الثالثة : لم يقل تعالى : انهم أوتوا علم الكتاب ، بل قال : * ( أوتوا نصيبا من الكتاب ) * لأنهم عرفوا من التوراة نبوة موسى عليه السلام ، ولم يعرفوا منها نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، فأما الذين أسلموا كعبد الله بن سلام وعرفوا الأمرين ، فوصفهم الله بأن معهم علم الكتاب ، فقال : * ( قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ) * ( الرعد : 43 ) والله أعلم . المسألة الرابعة : اعلم أنه تعالى وصفهم بأمرين : الضلال والاضلال ، أما الضلال فهو قوله : * ( يشترون الضلالة ) * وفيه وجوه : الأول : قال الزجاج : يؤثرون تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام ليأخذوا الرشا على ذلك ويحصل لهم الرياسة ، وإنما ذكر ذلك بلفظ الاشتراء لأن من اشترى شيئا آثره . الثاني : ان في الآية إضمارا ، وتأويله : يشترون الضلالة بالهدى كقوله : * ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ) * ( البقرة : 16 ) أي يستبدلون الضلالة بالهدى ، ولا إضمار على قول الزجاج . الثالث : المراد بهذه الآية عوام اليهود ، فإنهم كانوا يعطون أحبارهم بعض أموالهم ويطلبون منهم أن ينصروا اليهودية ويتعصبوا لها ، فكانوا جارين مجرى من يشتري بماله الشبهة والضلالة ، ولا إضمار على هذا التأويل أيضا ، ولكن الأولى أن تكون الآية نازلة في علمائهم ، ثم لما وصفهم تعالى بالضلال وصفهم بعد ذلك بالاضلال فقال : * ( ويريدون أن تضلوا السبيل ) * يعني أنهم يتوصلون إلى إضلال المؤمنين والتلبيس عليهم ؛ لكي يخرجوا عن الاسلام .